ابن كثير

132

البداية والنهاية

ثم ذكر ابن إسحاق : أن الوليد بن المغيرة لما حضره الموت أوصى بنيه الثلاثة وهم خالد وهشام والوليد . فقال لهم : أي بني ، أوصيكم بثلاث ، دمي في خزاعة فلا تطلوه ( 1 ) ، والله إني لاعلم أنهم منه براء ولكني أخشى أن تسبوا به بعد اليوم . ورباي في ثقيف ، فلا تدعوه حتى تأخذوه ، وعقري ( 2 ) عند أبي أزيهر الدوسي فلا يفوتنكم به . وكان أبو أزيهر قد زوج الوليد بنتا له ثم أمسكها عنه فلم يدخلها عليه حتى مات ، وكان قد قبض عقرها منه - وهو صداقها - فلما مات الوليد وثبت بنو مخزوم على خزاعة يلتمسون منهم عقل الوليد ، وقالوا إنما قتله سهم صاحبكم ، فأبت عليهم خزاعة ذلك حتى تقاولوا أشعارا وغلظ بينهم الامر . ثم أعطتهم خزاعة بعض العقل واصطلحوا وتحاجزوا . قال ابن إسحاق : ثم عدا هشام بن الوليد على أبي أزيهر وهو بسوق ذي المجاز فقتله ، وكان شريفا في قومه . وكانت ابنته ( 3 ) تحت أبي سفيان - وذلك بعد بدر - فعمد يزيد بن أبي سفيان فجمع الناس لبني مخزوم وكان أبو غائبا ، فلما جاء أبو سفيان غاظه ما صنع ابنه يزيد فلامه على ذلك وضربه وودى أبا أزيهر وقال لابنه : أعمدت إلى أن تقتل قريش بعضها بعضا في رجل من دوس ؟ وكتب حسان بن ثابت قصيدة ( 4 ) له يحض أبا سفيان في دم أبي أزيهر ، فقال بئس ما ظن حسان أن يقتل بعضنا بعضا وقد ذهب أشرافنا يوم بدر . ولما أسلم خالد بن الوليد وشهد الطائف مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله في ربا أبيه من أهل الطائف ؟ . قال ابن إسحاق : فذكر لي بعض أهل العلم إن هؤلاء الآيات نزلن في ذلك : ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين ) [ البقرة : 278 ] وما بعدها . قال ابن إسحاق : ولم يكن في بني أزيهر ثأر نعلمه حتى حجز الاسلام بين الناس ، إلا أن ضرار بن الخطاب بن مرداس الأسلمي ( 5 ) خرج في نفر من قريش إلى أرض دوس فنزلوا على امرأة يقال لها أم غيلان مولاة لدوس ، وكانت تمشط النساء وتجهز العرائس ، فأرادت دوس قتلهم بأبي أزيهر فقامت دونه أم غيلان ( 6 ) ونسوة كن معها حتى منعتهم . قال السهيلي : يقال إنها أدخلته بين درعها وبدنها .

--> ( 1 ) في ابن هشام : فلا تطلنه ، لا تطلوه : لا تهدروه ، إذا لم يأخذ بالثأر فقد هدر الدم . ( 2 ) العقر : بالضم ، دية فرج المرأة المغصوب . ( 3 ) واسمها : عاتكة . ( 4 ) منها : كساك هشام بن الوليد ثيابه * فأبل وأخلف مثلها جددا بعد ( 5 ) في ابن هشام : الفهري . ( 6 ) قال ابن هشام عن أبي عبيدة : أن التي قامت دونه أم جميل . ويحتمل أن تكونا قامتا معا دونه . وفي ذلك قال ضرار شعرا منه : جزى الله عنا أم غيلان صالحا * ونسوتها إذ هن شعث عواطل